ابن عربي
132
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 49 إلى 52 ] وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ( 49 ) وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ( 50 ) وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ ( 51 ) ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 52 ) الشكر هنا : هو الثناء على اللّه بما يكون منه خاصة ، لصفة هو عليها من حيث ما هو مشكور ، فإن شكر المنعم يجب عقلا وشرعا ، ولا يصح الشكر إلا على النعم .
--> إِلَيْهِ راجِعُونَ » فتكون واو العطف تشرك في الظن ، وإن كان الضمير يعود عليه من كونه إلها ، فيكون « وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ » الواو بمعنى مع ، أي مع علمهم بأنهم إليه راجعون ، وقد تكون الجملة في موضع الحال ، تقدير الكلام : يظنون أنهم ملاقوا ربهم في حال رجوعهم إليه الذي لا بد منه ، ثم قال ( 48 ) « يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا » الآية - ذكرهم بهذا النسب نعمته عليهم فيه حيث نسبهم بالبنوة إلى صفوته وهو يعقوب ، وحظنا من التعريف أن نذكر نعمته علينا أيضا ، فلهذا عرفنا فقال « اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ » ولها وجهان ، الأول اذكروا أي تذكروا ولا تغفلوا ولا تنسوا ذلك ، والوجه الآخر اذكروا ، من الذكر ، أن تحدّثوا بما أنعمت عليكم ، قال تعالى ( وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ) والنعم التي أنعم بها على بني إسرائيل مذكورة في القرآن ، فلا أحتاج إلى ذكرها ، وقوله « وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ » فيه إنباه لنا أن نذكر ذلك في قوله ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ) وأما قوله لبني إسرائيل أنه فضلهم على العالمين ، أي زادهم أمورا ظهرت عامة ، لم يعط عمومها لسائر الملل ، وإن لخواص هذه الأمة ما أعطى سائر الأمم ، من الكشف وطي الأرض والمشي على الماء وفي الهواء وتظليل الغمام والطير وتسخير الرياح وتفجير المياه ، وقد رأينا كثيرا من هذا على المنقطعين من عباد اللّه في حال سياحاتي وطلبي الاجتماع بهم ، وكان ذلك في بني إسرائيل يظهر للعام والخاص ، فالفضيلة في هذا ، ثم قال ( 49 ) « وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي » الآية ، الخطاب عام لجميع العباد ، فالضمير عام ، وقوله « يَوْماً » يريد يوم القيامة ، وفي الحقيقة الأيام كلها بهذه المثابة ، وأنه ما أراد اللّه إمضاءه في خلقه لا تقتضيه نفس عن نفس شيئا ، وقوله « لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً » هو قوله ( إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً ) بل كل نفس بما